أبي حيان الأندلسي

24

تفسير النهر الماد من البحر المحيط

الصواب ، وقد أعقب الخلق بالهداية في القرآن في مواضع فقال تعالى حكاية عن الكليم قال : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ، فاستدل بالخلق والهداية على وجود الصانع وهما حالان للجسد والروح . وقرئ : لا يهدي مخففا مضارع هدى ويهدّي بفتح الهاء وتشديد الدال ، وأصله يهتدي نقلت حركة التاء إلى الهاء وأدغمت التاء في الدال . وقرئ : يهدي بكسر الهاء وتشديد الدال . وقرئ : بكسر الياء اتباعا . بحركة الهاء وتشديد الدال يهدّي . فَما لَكُمْ استفهام ومعناه التعجيب والإنكار أي : أيّ شئ لكم في اتخاذ هؤلاء الشركاء إذا كانوا عاجزين عن هداية أنفسهم فكيف يمكن أن يهدوا غيرهم . كَيْفَ تَحْكُمُونَ استفهام آخر ، أي كيف تحكمون بالباطل وتجعلون للّه أندادا وشركاء ، وهاتان جملتان : أنكر في الأولى وتعجب من اتباعهم من لا يهدي ولا يهتدي ، وأنكر في الثانية حكمهم بالباطل وتسوية الأصنام برب العالمين . وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا الظاهر أن أكثرهم على بابه لأن منهم من تبصر في الأصنام فرفضها كما قال بعضهم : أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد هان من بالت عليه الثعالب والمعنى ما يتبع أكثرهم في اعتقادهم في اللّه وفي صفاته إلا ظنا ليسوا متبصرين ولا مستندين فيه إلى برهان إنما ذلك شئ تلقوه من آبائهم . والظن في معرفة اللّه لا يغني من الحق شيئا ، أي من إدراك الحق ومعرفته على ما هو عليه ، لأنه تجويز لا قطع . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 37 إلى 41 ] وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 37 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ( 40 ) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 41 )